الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
68
نفحات الولاية
في تدبير هذا العالم ، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية الخامسة من سورة النازعات ، حيث عبر عن هذه الملائكة بالقول « فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » ، كما احتمل أن يكون لهذا الصنف من الملائكة دور في ايجاد تلك السحب والجبال والظلمات - على كل حال فانّ مأمورية هذا الصنف من الملائكة هي مأمورية تكوينية - على الخلاف من ملائكة الوحي حيث لهم مأمورية تشريعية . ثم تطرق عليه السلام إلى صنف آخر من الملائكة فقال عليه السلام : « ومنهم من قد خرفت أقدامهم تخوم « 1 » الأرض السفلى ، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق « 2 » الهواء ، وتحتها ريح هفافة « 3 » ، تحبسها على حيث من انتهت من الحدود المتناهية » وتشبه هذه العبارة ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة الأولى من نهج البلاغة التي قال فيها : « ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، والمارقة من السماء العليا أعناقهم » ، طبعاً هذه العبارات إنّما تشير على سبيل الكناية إلى رفعة هذا الصنف من الملائكة وسمو مكانته ، واننا لاندرك سوى شبح عنها ، وذلك لأننا لانمتلك المعلومات الكافية عن خلقها . ولا يتسنى إدراك حقيقة هذه التعبيرات بصورة تامة سوى لعلي عليه السلام وسائر المعصومين عليهم السلام الذين رفعت عنهم الحجب ، وما علينا إلّا القناعة والاكتفاء بهذا العلم الإجمالي . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في وصف هؤلاء الملائكة فقال عليه السلام : « قد استفرغتهم أشغال عبادته ، ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته ، وقطعهم الايقان به إلى الوله « 4 » إليه ، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره » ، فالعبارات الأربع مرتبطة مع بعضها البعض الآخر قطعا ، فالاشتغال بالعبادة سبب لتقوية الإيمان ورسوخه ، كما أنّ قوة الإيمان تنتهي إلى الحب والعشق ، فإذا ملأحبّه كيان الإنسان أو الملك ، لم يدعه يفكر في غيره ولا يطمع إلى ما عند سواه . فقد ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قال : « أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها ، وأحبّها
--> ( 1 ) « تخوم » جمع « تخم » تعني في الأصل الحد ، وتخوم الأرض أعماقها . ( 2 ) « مخارق » جمع « مخرق » من مادة « خرق » على وزن خلق . بمعنى موضع الخرق ، ومخارق الهواء الشقوق بين طبقات الهواء . ( 3 ) « هفافة » ، الريح التي تتحرك بسرعة . وقيل هفافة بمعنى الطيبة الساكنة ، إلّاأنّ هذا المعنى لا يبدو مناسباًللعبارة المذكورة ، ولا يستبعد ادغام المعنيين في مفهوم واحد وهو الريح السريعة المنتظمة . ( 4 ) « وله » تغني الحيرة من شدة الحزن حتى يفقد صاحبها عقله ، ثم اطلق على العشق المفرط الذي يسلبالإنسان استقراره .